lundi 21 janvier 2019

قصة أول هزيمة للمسلمين في فتوحات الشام

قصة أول هزيمة للمسلمين في فتوحات الشام

 

كانت معركة مرج الصفر الأولى هي أول هزيمة للمسلمين في فتوحات الشام بشكل عام
في الرابع من محرم عام 13هـ تصل الأخبار إلى المسلمين أن عددًا من الروم قد خرج من دمشق متجهًا لجيش أبي عبيدة المتمركز في الشام جنوب دمشق لقتاله، وعرف المسلمون أنهم مجموعة قليلة، وليسوا جيشًا كبيرًا، فأخرج لهم أبو عبيدة فرقة من جيشه، بقيادة خالد بن سعيد رضي الله عنه مع أهله وقبيلته وعشيرته وبعض المسلمين لقتال الروم جنوب دمشق، والتقى معهم خالد رضي الله عنه في مرج الصفر.
وكان الروم بقيادة باهان في مجموعة من الجنود توازي مجموعة خالد بن سعيد رضي الله عنه، فتسرع خالد رضي الله عنه في قتالهم، (وهو لا يجيد التخطيط للحرب كما قال عنه عمر) دون أن يحمي ظهره.
فالتف جيش باهان الرومي حول المسلمين في مرج الصفر ففاجأهم وقاتلهم، وحدثت مقتلة عظيمة، قُتِلَ فيها كثير من المسلمين، واستشهد سعيد بن خالد بن سعيد في هذه المعركة، فلما قُتِلَ ابنه، تسرع خالد بن سعيد في الهروب رضي الله عنه، فثبت بعض المسلمين مع سيدنا عكرمة بن أبي جهل وقاتلوا باهان حتى ردوه عن مرج الصفر، ولم يقتل في هذه المعركة عدد يذكر من جيش الروم، فَعُدَّتْ هذه هزيمة لجيش المسلمين، وهي أول هزيمة للمسلمين في الفتوحات بشكل عام..
وظهر بذلك بُعْدُ نظر عمر رضي الله عنه، حينما عارض أبا بكر في أن يقود خالد بن سعيد جيش المسلمين كله، وقال عنه: إنه لايجيد التخطيط في الحرب، وفعلاً ظهر ذلك في هزيمة تلك الفرقة أمام الروم.
وقد أحدثت تلك الهزيمة هزة نفسية للمسلمين في الشام، وفي المدينة المنورة، إذ وصلت الأنباء لأبي بكر الصديق في المدينة، وحزن حزنًا شديدًا، وجمع حوله عمر بن الخطاب، ومستشاريه لكي يقيموا الأمر من جديد.

 

«دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين»؟

تعرف على قصة أقوى عبارة قالها الإمام مسلم لأستاذه «دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين»؟

ألقى رجلٌ على الإمام البخاري رحمه الله حديثًا وسأله عن صحته، فقال له الرجل: "ما تقول في حديث رواه الحجاج بن محمد عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة… وساق الحديث: «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، كَانَ كَفَّارَةٌ لَمَّا كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ»" [1]، وهو الحديث المشهور بكفَّارة المجلس.

وكان عنده الإمام مسلم رحمه الله، فدار بينهما حوارٌ على صحة هذا الحديث؛ فقال الإمام مسلم لأستاذه البخاري رحمهما الله -وهما من أعلم أهل الأرض بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم-:

- «تَعْلَمُ حديثًا في الدنيا بهذا الإسناد كهذا الحديث؟!»؛ كأنه يقول: ألديك أجمل من هذا الإسناد في الدنيا بأسرها؟!
- فقال البخاري: هذا حديثٌ مليحٌ ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا حديثًا غير هذا، إِلَّا أنَّه معلول..
- فارتعد مسلمٌ وقال: لا إله إلا الله ما هي (يقصد سبب ضعف الحديث)؟
- فقال البخاري: استر ما ستر الله. فألحَّ مسلمٌ على البخاري.
- فقال له البخاري: "رواه موسى بن إسماعيل عن وهيب بن خالد عن سهيل عن عون بن عبد الله قوله".
والمقصود بكلمة "قوله": أي أنَّ الكلام كلام عون بن عبد الله، وليس كلام أبي هريرة ولا النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

- فقبَّل الإمام مسلم ما بين عيني الإمام البخاري -وفي بعض الروايات- وقبَّل رأسه، وكاد يبكي،
وقال له:
«دَعْنِي حَتَّى أُقَبِّلَ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَطَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ».

- وقال له أيضًا:
«لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا حَاسِدٌ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُكَ».

 

الإنترنت وترويج الشائعات

منذ قرابة قرن ونصف، جاءت التعاليم الربّانية إلى نبينا صلى الله عليه وسلم بحرمة ترويج الشائعات، ووجوب التثبت من الأخبار قبل نشرها، ولم يكن في عصرهم لا جريدة ولا هاتف ولا وسيلة إعلامية قوية تعادل قيمتها واحد بالمئة من قوة سلاح عصرنا الجديد الإنترنت، وهو أولى وأدعى للمسلمين في هذه الأيام بتدبر هذا النهي الرباني والتوجيه النبوي. فقد قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة"، ويظن البعض هنا أن الآية تعني إباحة نقل الأخبار من غير الفاسق (أي الملتزم بتعاليم دينه)، ولكن قراءة سبب نزول الآية تؤكد أنها جاءت لتحذر من أي خبر فيه تهويل أو تزييف بغض النظر عن مروّجه، كيف لا وقد كان سبب نزولها خبر نقله صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم (يراجع تفسير ابن كثير في تفسير سورة الحجرات الآية السادسة لمعرفة سبب النزول). وكم من الإخوة والأخوات من يقوم بتوزيع وترويج عشرات الرسائل يوميا دون تثبت أو تروّ، فهذا حديث للنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه كذا وكذا - والحديث موضوع، وهذه قصة عن السلف الصالح حدث فيها كذا وكذا - والقصة ما هي إلا من نسج الخيال، بل ووصل الأمر بالكذب على الله سبحانه وتعالى، وتأليف أحاديث قدسية يلاحظ فيها ركاكة الأسلوب وضعف المعنى. لماذا يروّجون الشائعات ؟ إن المسلم منهي عن ترويج الأخبار الدنيوية فضلا عن الدينية دون تثبت، ومن ينظر نظرة ثاقبة في سر نهي الإسلام عن ترويج الإشاعات يجد الكثير من الأسباب، فقد تروّج شائعة تتسبب في هزيمة جيش، أو قيام حرب، أو قتل نفس، أو إفساد في الأرض، أو إقامة بدعة لا أصل لها أو هدم سنة ثابتة في الشرع، أو صرف المسلمين عن قضية من قضاياهم المصيرية. وقد يكون مصدر الإشاعة غير المسلمين وكتبت بما يوحي الحرص على الإسلام، فينخدع بها المسلمين ليكونوا جنودا في ترويجها. وكم قرأنا في التاريخ عن ما يسمي بالحرب الإعلامية النفسية، وكيف تستخدم فيها خبرات خاصة لترويج الشائعات وبث الذعر والخوف في نفوس العدو. كيف تعرف الشائعة؟ الشائعة شائعة، فلن تجد مصدرا موثوقا توعز إليه يمكن بطريقة مباشرة التثبت منه، وقد كنت فيما مضى أحرص كل الحرص على توجيه كل من يراسلني بأحاديث نبوية أو قدسية، أن يذهب أولا للبحث عن الحديث قبل نشره، فما أسهل أن يضع مروّج الإشاعة في نهاية الحديث: رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي والترمذي بل وحتى الدارقطني ! والحديث ليس إلا اختراع كتبه كاذب ونقله مروّج وقع ضحية لحسن نواياه. بل وقد يقوم مروّج الإشاعة بوضع أسماء وشخصيات وهمية لتأكيد صحة الأخبار التي يذكرها، فيقتنع بها القارئ ليقوم بنشرها دون التثبت من وجود هذه الأسماء في كرتنا الأرضية. فالخبر الموثوق هو الذي يحوي مصدرا واضحا وصريحا يمكن الرجوع له، فتوضع الروابط للمصدر، أو رقم الهاتف، ووقتها من مسؤولية المسلم أن يتصل بالهاتف أو يراجع الرابط للتأكد من صحة الخبر ومن ثمّ ترويجه والدعاية له إن كان في ذلك مصلحة للمسلمين. نماذج لبعض الشائعات: - حديث كلام النبي صلى الله عليه وسلم مع الشيطان - الدعاء الذي أمر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعي به - وصية الشيخ أحمد حامل مفاتيح الحرم النبوي الشريف - نطق الحجر في فلسطين وما ذكر عن نقل قناة الجزيرة لذلك - إصابة كاتب مقالة: "ضرب مكة" التي نشرت في مجلة National Review، بالشلل الرباعي - تخصيص أحد المطاعم الأمريكية لدخل يوم كامل لصالح إسرائيل دون أدلة أو براهين - ذكر البعض أن أحد المطاعم الأمريكية لا تستخدم دجاجا، بل كائنات بيولوجية كيف تواجه الشائعة: إن أقوى أساليب مواجهة الشائعات هو تربية المسلم لنفسه وغيره على التصدي للأخبار التي تأتي من وكالات يقولون وقلنا وحدثني صديقي وأخبرني من أثق فيه، فيربّي بعضنا البعض على الوقوف عن ترويج أي خبر لا يعرف له مصدرا، والتثبت من مصادر الخبر إذا ذكر، ومراسلة كل من يقوم بترويج الشائعات والأخبار الكاذبة بمثل هذه المقالة وفي النهاية وكذا البداية الرجوع للقرآن الكريم والعمل بقتضاه التشريعي عملا كاملا، لا عملا قائما على الهوى والرغبات.


 المصدر: خاص بإذاعة طريق الإسلام

نشر الأخبار دون تثبت

{بسم الله الرحمن الرحيم} الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإنّ من أعظم الطرق المفضية إلى انتشار الفوضى واضطراب الأمور بثَّ الشائعات المختلقة ونشر الأخبار في المجتمع دون تثبت. إن تاريخ الإشاعة قديم قِدَم هذا الإنسان، وقد ذُكر في كتاب الله -عز وجل- نماذج من ذلك منذ فجر التاريخ، وبقراءة في تاريخ الأنبياء -عليهم السلام- وقصصهم نجد أنّ كلاً منهم قد أُثير حوله الكثير من الإشاعات من قِبَلِ قومه، ثم يبثّونها ويتوارثونها أحيانًا. فهذا موسى -عليه السلام- حين حمل دعوة ربه إلى فرعون وملئه وقومه، ملأ فرعونُ سماء مصر، وسمّم عقول من حوله بالشائعات فقال: ( {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِه} )، واتّهم موسى بالإفساد حين قال: ( {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ} ). فاستخف قومه وأطاعوه، ولم يتثبتوا من صدق فرعون. وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم استخدم الأعداء الشائعات لتخذيل المؤمنين في عدة مواقف، فحين هاجر بعض الصحابة إلى الحبشة فارين بدينهم من عذاب المشركين، أشاع المشركون بأن أهل مكة قد أسلموا فرجع بعض أولئك المهاجرين من الحبشة وقبل دخولهم علموا أن الخبر كذب، فدخل منهم من دخل، ورجع من رجع، فأما الذين دخلوا مكة فقد أخذه كفار قريش وعذبوه وفتنوه في دينه. وفي معركة أحد أشاع الكفارُ أن الرسول قُتِل، ففَتّ ذلك في عَضُد كثير من المسلمين، حتى إن بعضهم ألقى السلاح وترك القتال. ومن أعظم الشائعات التي هَزّت المجتمع الإسلامي بأكمله وجعلته يصطلي بنارها شهرًا كاملاً، حادثة الإفك التي أطلقها رأس النفاق عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، فراجت وماجت في المجتمع المدني؛ فآذت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته الأطهار، فمن الناس من تلقّاها بلسانه، ومنهم من سكت، ومنهم من ردّها قائلا: ( {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} ). وبعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت الشائعة السبب الأول والرئيس في قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فقد تجمّع أخلاط من المنافقين ودَهْمَاء الناس وجَهَلَتِهم، وأصبحت لهم شوكة، وقُتِل على إثْرها خليفة المسلمين بعد حصاره في بيته وقطع الماء عنه، بل كان من آثار هذه الفتنة أن قامت حروب بين الصحابة الكرام كمعركة الجمل وصِفِّين. فمن كان يتصوّر أن الإشاعة تفعل كل هذا؟! بل خرجت على إثرها الخوارج، وتزندقت الشيعة، وترتب عليها ظهور المرجئة والقدرية الأولى، وظهرت فتن وبدع وقلاقل كثيرة، ما تزال الأمة الإسلامية تعاني من آثارها إلى اليوم. أيها الأخوة إن هناك فئاتا وأصنافًا من الناس في كل مجتمع قلوبهم مريضة، وذممهم واسعة، لا يخافون من الله، مهنتهم ووظيفتهم وهوايتهم نشر الشائعات والأكاذيب في أوساط الناس. ومن أعظم الوسائل المعينة لهم على فتنتهم شبكات الإنترنت، حيث صارت هذه الشبكات لهم مسرحًا يعبثون فيه بأمنِ الناس وأديانِهم وعقولِهم، فانساق وراءهم بعض العامة والجهلة، ففُتِنوا بفتنتهم، ووقعوا في تقليدهم، فصارت تلك المواقع والمنتديات والتغريدات مصدرًا رئيسًا لهؤلاء الغَوْغاء، يستقون من آرائها وما يبث فيها، ولا يكاد ينزل فيها خبر عن شخص أو دولة أو حكومة أو أمة إلا وينتشر انتشار النار في الهشيم في كافة المنتديات وبشتى صور العرض، وبتفنّن في جذب الانتباه. ثم تفاجئ بعد فترة أن معظمها أخبارا ملفقة وصورا مفبركة، وأفلاما مركبة ومدبلجة. صار كثير من الناس -وخصوصًا الشباب- يُصدرون الأحكام بناءً على ما يكتب على صفحات تلك المنتديات، دون معرفة وتوثّق من مصدرها. فإذا كان العلماء قد ضعّفوا رواية معلوم العين ومجهول الحال، فما بالك برواية مجهول العين والحال؟! وعبر شبكات الإنترنت نطق الرُّوَيْبِضَة، وهو الرجل التافه الذي يتكلم في أمر العامة، وصار كثير ممن لا يُعرفون وهم في الحقيقة ناقصو علم وعقل، وليس لهم من الأمر شيء، صاروا يتكلّمون في أمر الأمة ويوجهون، ويحكمون على الناس وأديانهم، ويكفّرون ويبدّعون من يشاؤون. ولو أننا امتثلنا إلى ما قاله الله لنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). لأوقفنا جماح كثير من هذه الشائعات. إننا نعيش في زمن كثر فيه ترويج الأخبار دون تثبت، فما هو إلا نسخ ولصق للرسائل والصور، مكتفيا بعضهم عند نسخه بقول: كما وصلني: وبئس مطية الرجل زعموا. لقد امتلأت هواتف البعض بعشرات بل مئات الرسائل، وكثير منها يحمل أخبارا لا تعرف صدقها، بل وتشم كذبها وزيفها، وسرعان ما تسمع بعد ذلك من يكذبها. والمشكلة أن معظم هذه الرسائل تُختم بطلب: أرسل هذه الرسالة إلى من تعرف! ولكي لا تؤثر هذه الإشاعات على المسلم بأي شكل من الأشكال، فلا بد أن يكون هناك منهج واضح محدد لكل مسلم يتعامل به مع الإشاعات، وهذا المنهج يتلخص في الآتي: الأول: أن يقدم المسلم حسن الظن بأخيه المسلم، قال الله تعالى: ( {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} ). الثاني: أن يتوثّق من صحة النقل، ويطلب المسلم الدليل عليه، قال الله تعالى: ( {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)} ، ومن أكثر ما ينشره الناس دون تثبت بعض الأحاديث المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد حذر صلى الله عليه وسلم من ذلك: ( «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» ) [رواه مسلم] . ولذلك كل خبر ليس عليه دليل فصاحبه كاذب لقوله تعالى { {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} }. فهل ترضى لنفسك أن تكون كذلك؟ الثالث: أن يَكِل الخبر إن كان من أمور العامة إلى أولي الأمر الذين يستنبطونه منهم: لقوله تعالى ( {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ). رابعا: أن لا ننشر خبرا حتى نتأكد من صحته، ولو فعلنا ذلك لماتت الإشاعة في مهدها. فلا تكن مرددا ومُحدِّثا بكل ما سمعت، فقد يكون ما سمعته خبرا كاذبا وقد قال صلى الله عليه وسلم ( «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» ) [رواه مسلم] . ولعظم خطر الشائعة في المجتمع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة عظيمة لمن يتولى نشر الأكاذيب، فعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق...". ثم ذكر الحديث، وكان مما قال صلى الله عليه وسلم : " «فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ , وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي إِحْدَى شِقَّيْ وَجْهِهِ، فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْهُ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ , فَيَفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى» "، ثم جاء خبره في آخر الحديث، حيث قال له الرجلان: " «إنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة فتبلغ الآفاق» ". [رواه البخاري] . كيف تبلغ الآفاق؟ لعله ما يحدث في عصرنا من وجود الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي التي تنشر الخبر بلمح البصر. أسأل الله تعالى أن يفقهنا في أمر ديننا، وأن يعصمنا من الزلل، ويوفقنا لصالح القول والعمل. جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

ماذا يريد الحوثيون؟

لم يكن الهجوم الذي قام به الحوثيون على بلدة دماج الواقعة شرقي مدينة صعدة شمال العاصمة صنعاء باليمن هو الأول من نوعه، والظاهر أنه لن يكون الأخير، فالجماعة حاربت الحكومة اليمنية على مدى سنوات خلت، كما أنها لم تعد تخف طابعها الطائفي الشيعي الاثني عشري التابع والممول من إيران لمحاربة أهل السنة في المنطقة والعالم. ومن المعلوم تاريخياً أن المذهب الزيدي هو الشائع والمنتشر باليمن منذ تأسيس اتحاد الشباب في صعدة عام 1986م، والذي تحوّل إلى حزب الحق في عام 1990م، وبالرغم من أن المذهب الزيدي هو أقرب إلى أهل السنة منه إلى الشيعة الاثني عشرية، إلا أن الشيعة الاثني عشرية استطاعوا اختراق الزيدية بصعدة وتحويلها إلى منطقة شيعية تابعة لملالي طهران. إن القارئ لصفحات تاريخ اليمن لا يمكن أن يجد للفكر الشيعي الاثني عشري وجود في اليمن إلا بعد التحوّل الكبير الذي أحدثه بدر الدين الحوثي -الذي ينتمي لفرقة (الجارودية) أقرب فرق الزيدية لأفكار الشيعة الاثني عشرية- في فرقة الزيدية، وخاصة بعد سفره لإيران ومكوثه هناك لسنوات طويلة إثر خلاف حاد بين أفكاره الشيعية الاثني عشرية والفكر الزيدي، وانشقاق ابنه حسين بدر الدين الحوثي عن حزب الحق الزيدي، وتكوينه لجماعة خاصة به كانت نواة لجماعة الحوثيين الحالية. لقد بات من الواضح أن إيران تريد أن تكون مدينة صعدة التي يسيطر عليها الحوثيون محافظة خالصة للشيعة التابعين لإيران، ولا تريد أن يكون فيها أي مكون آخر غير الشيعة وخاصة من أهل السنة السلفيين، كما تريد أن تكون صعدة مركزاً لانطلاق الاضطرابات والمعارك الطائفية باليمن، وبؤرة من بؤر إيران الشيعية للتدخل في شؤون الدول المجاورة، وورقة ضغط على الدول السنية المجاورة عموماً وعلى المملكة السعودية خصوصاً تستخدمها وقت الحاجة والطلب. ومما يدعم هذا التوجه لدى الحوثيين توقيت الهجوم الذي نفذوه على بلدة دماج السنية، حيث الحوار الوطني اليمني قد وصل إلى ملفات خطيرة وغاية في الأهمية لناحية استقرار اليمن واستعادة أمنه ألا وهو ملف استحقاق وضع السلاح لصالح الدولة، الأمر الذي لم يرق بالتأكيد للحوثيين الذين أرادوا التشويش على هذا الملف بشن الهجوم على بلدة دماج. وهذا يكشف لمتابعي الشأن اليمني حقيقة موافقة الحوثيين الدخول في الحوار الوطني الذي لم يكن أكثر من خطوة تكتيكية لإخفاء حقيقة تنظيمه الإرهابي المعادي للدولة والمجتمع اليمني السني. لقد ذكرت أنباء واردة من بلدة دماج بمحافظة صعدة اليمنية أن جماعة الحوثيين تحاول اقتحام البلدة، بعد هجوم بدأ يوم الأربعاء وما زال مستمراً حتى كتابة هذه السطور، وقد وصل عدد الشهداء الذين قضوا جراء القصف والهجوم الحوثي على البلدة إلى أكثر من 100 شهيد و200 جريح حسب أبو إسماعيل الحجوري الناطق باسم السلفيين في البلدة. وقد أضاف الحجوري أن دماج كانت تحت حصار القوات الحوثية على مدى عدة أسابيع، متهماً إياهم بقصف البلدة بصواريخ، ما أدّى إلى اشتعال النيران في مساكن طلبة مدرسة دينية. من جهته قال رئيس لجنة الوساطة الرئاسية في أزمة دماج يحيى أبو أصبع: إن جماعة الحوثي تقصف منطقة دماج بمختلف الأسلحة الثقيلة بما فيها الدبابات والصواريخ والمدافع، ووصف الوضع في دماج بأنه "خطير وكارثي" كما أكد أن القصف أدّى لمقتل وجرح العشرات من الرجال والنساء والأطفال والطلاب بمركز دار الحديث التابع للسلفيين، وقال: "إن الحوثيين رفضوا طلباً بالسماح لفريق من الصليب الأحمر بدخول المنطقة لإسعاف الجرحى ودفن القتلى". إن ما يجري في بلدة دماج يثير كثيراً من الأسئلة في ذهن أي مسلم، وهي أسئلة تتكرر بتكرار مآسي المسلمين في أكثر من مكان في هذا العالم، وهي: 1- أين الحكومة اليمنية من هذا الذي يحصل في بلدة دماج؟! ولماذا لم تتحرّك حتى الآن لمواجهة هجوم الحوثيين؟! بينما تتحرّك جميع الحكومات العربية والإسلامية لمواجهة ما يُسمّى بتنظيم القاعدة إذا قام بأدنى تحرّك أو هجوم؟ 2- رغم إعلان بعض الزيدية براءتهم من أفعال الحوثيين إلا أن السؤال لا يزال قائماً وهو: كيف استطاع الشيعة اختراق الزيدية في مدينة صعدة وتحويلها إلى مدينة شيعية رغم الفروق الجوهرية بين المذهب الزيدي والاثني عشري، حيث لا يُقر الزيدية بانحرافات الشيعة الاثني عشرية العقائديَّة الهائلة، ولا يوافقونهم على تحديد أسماء اثني عشر إماماً بعينهم، كما لا يوافقونهم في ادّعاء عصمة الأئمة الشيعة، ولا في عقيدة التقيَّة ولا الرجعة، ولا البداءة، ولا سبّ الصحابة، ولا غير ذلك من البدع المنكرة. وأين المسلمون السنة من هذا التحوّل الكبير الذي حصل في هذه المدينة اليمنية؟ ولماذا لم يكونوا أسبق إلى الزيدية في صعدة مع وجود كثير من نقاط الاتفاق بينهما؟ 3- إذا كانت إيران تدعم الحوثيين بكل هذه الأموال والأسلحة التي أعيت دولة اليمن في مواجهتهم بغض النظر عن عوامل صعوبة المنطقة الجبلية وغير ذلك فأين الدعم السني لأهل السنة في المناطق القريبة من صعدة كبلدة دماج وهم الأكثر قدرة على الدعم نظراً لكثرة عدد دول أهل السنة في مواجهة دولة شيعية واحدة. أسئلة كثيرة طالما دارت وتدور في ذهن المسلمين في كل مواجهة بين الشيعة وأهل السنة في الآونة الأخيرة، تحتاج إلى إجابات عملية واقعية لا إجابات نظرية غالباً ما تبقى أسيرة الأفكار وبعيدة عن الواقع والتطبيق.




عامر الهوشان

قصة الحوثيين

أصبحت قصة الحوثيين
قاسمًا مشتركًا في معظم وسائل الإعلام في السنوات الخمس الأخيرة، وهي من
القصص المحيرة حيث تتضارب فيها التحليلات، وتختلف التأويلات، وتضيع
الحقيقية بين مؤيِّد ومعارض، ومدافع ومهاجم!!

فمن هم الحوثيون؟، ومتى ظهروا؟، وإلى أي شيء يهدفون؟، ولماذا تحاربهم
الحكومة اليمنية؟، وما هو تأثير القوى الخارجية العالمية على أحداث
قصتهم؟... هذه الأسئلة وغيرها هي موضوع مقالنا، والذي أرجو أن ينير لنا
الطريق في هذه القصة المعقَّدة..

تحدثنا في المقال السابق ( قصة اليمن) عن تاريخ الحكم في اليمن بإيجاز،
ورأينا أن الشيعة الزيدية كان لهم نصيب في الحكم فترة طويلة جدًّا من الزمن
 تجاوزت عدة قرون، وأنهم ظلوا في قيادة اليمن حتى عام 1962م عندما قامت
الثورة اليمنية. وأوضحنا الفرق بين المذهب الزيدي الذي ينتشر في اليمن،
والمذهب الاثني عشري الذي ينتشر في إيران والعراق ولبنان، والذي فصَّلناه
بشكل أكبر في عدة مقالات سابقة: ( أصول الشيعة) و( سيطرة الشيعة) و( خطر
الشيعة) و( موقفنا من الشيعة). وذكرنا في المقال السابق أن نقاط التماسّ
بين الشيعة الزيدية والسُّنَّة أكبر من نقاط التماس بين الشيعة الزيدية
والاثني عشرية الإمامية، بل إن الاثني عشرية الإمامية لا يعترفون أصلاً
بإمامة زيد بن علي مؤسِّس المذهب الزيدي، وعلى الناحية الأخرى فإن الزيديين
 لا يقرون الاثني عشرية على انحرافاتهم العقائديَّة الهائلة، ولا يوافقونهم
 على تحديد أسماء اثني عشر إمامًا بعينهم، ولا يوافقونهم في ادّعاء عصمة
الأئمة الشيعة، ولا في عقيدة التقيَّة، ولا الرجعة، ولا البداءة، ولا سبّ
الصحابة، ولا غير ذلك من البدع المنكرة.

وقلنا كذلك إنه لم يكن هناك وجود للاثني عشرية في تاريخ اليمن كله، إلا أن
هذا الأمر تغيَّر في السنوات الأخيرة، وكان لهذا التغيُّر علاقة كبيرة بقصة
 الحوثيين.


جذور القصة:

بدأت القصة في محافظة صعدة (على بُعد 240 كم شمال صنعاء)، حيث يوجد أكبر
تجمعات الزيدية في اليمن، وفي عام 1986م تم إنشاء "اتحاد الشباب"، وهي هيئة
 تهدف إلى تدريس المذهب الزيدي لمعتنقيه، كان بدر الدين الحوثي -وهو من
كبار علماء الزيدية آنذاك- من ضمن المدرِّسين في هذه الهيئة.

وفي عام 1990م حدثت الوَحْدة اليمنية، وفُتح المجال أمام التعددية الحزبية،
 ومن ثَمَّ تحول اتحاد الشباب إلى حزب الحق الذي يمثِّل الطائفة الزيدية في
 اليمن، وظهر حسين بدر الدين الحوثي -وهو ابن العالم بدر الدين الحوثي-
كأحد أبرز القياديين السياسيين فيه، ودخل مجلس النواب في سنة 1993م، وكذلك
في سنة 1997م.

تزامن مع هذه الأحداث حدوث خلاف كبير جدًّا بين بدر الدين الحوثي وبين بقية
 علماء الزيدية في اليمن حول فتوى تاريخية وافق عليها علماء الزيدية
اليمنيون، وعلى رأسهم المرجع مجد الدين المؤيدي، والتي تقضي بأن شرط النسب
الهاشميّ للإمامة صار غير مقبولاً اليوم، وأن هذا كان لظروف تاريخية، وأن
الشعب يمكن له أن يختار مَن هو جديرٌ لحكمه دون شرط أن يكون من نسل الحسن
أو الحسين رضي الله عنهما.

اعترض بدر الدين الحوثي على هذه الفتوى بشدَّة، خاصة أنه من فرقة
"الجارودية"، وهي إحدى فرق الزيدية التي تتقارب في أفكارها نسبيًّا مع
الاثني عشرية. وتطوَّر الأمر أكثر مع بدر الدين الحوثي، حيث بدأ يدافع
بصراحة عن المذهب الاثني عشري، بل إنه أصدر كتابًا بعنوان "الزيدية في
اليمن"، يشرح فيه أوجه التقارب بين الزيدية والاثني عشرية؛ ونظرًا للمقاومة
 الشديدة لفكره المنحرف عن الزيدية، فإنّه اضطر إلى الهجرة إلى طهران حيث
عاش هناك عدة سنوات.

وعلى الرغم من ترك بدر الدين الحوثي للساحة اليمنية إلا أن أفكاره الاثني
عشرية بدأت في الانتشار، خاصة في منطقة صعدة والمناطق المحيطة، وهذا منذ
نهاية التسعينيات، وتحديدًا منذ سنة 1997م، وفي نفس الوقت انشقَّ ابنه حسين
 بدر الدين الحوثي عن حزب الحق، وكوَّن جماعة خاصة به، وكانت في البداية
جماعة ثقافية دينية فكرية، بل إنها كانت تتعاون مع الحكومة لمقاومة المد
الإسلامي السُّنِّي المتمثل في حزب التجمع اليمني للإصلاح، ولكن الجماعة ما
 لبثت أن أخذت اتجاهًا معارضًا للحكومة ابتداءً من سنة 2002م.

وفي هذه الأثناء توسَّط عدد من علماء اليمن عند الرئيس علي عبد الله صالح
لإعادة بدر الدين الحوثي إلى اليمن، فوافق الرئيس، وعاد بدر الدين الحوثي
إلى اليمن ليمارس من جديد تدريس أفكاره لطلبته ومريديه. ومن الواضح أن
الحكومة اليمنية لم تكن تعطي هذه الجماعة شأنًا ولا قيمة، ولا تعتقد أن
هناك مشاكل ذات بالٍ يمكن أن تأتي من ورائها.


مظاهرات ضخمة للحوثيين وبداية الحرب:

وفي عام 2004م حدث تطوُّر خطير، حيث خرج الحوثيون بقيادة حسين بدر الدين
الحوثي بمظاهرات ضخمة في شوارع اليمن مناهضة للاحتلال الأمريكي للعراق،
وواجهت الحكومة هذه المظاهرات بشدَّة، وذكرت أن الحوثي يدَّعِي الإمامة
والمهديّة، بل ويدَّعِي النبوَّة. وأعقب ذلك قيام الحكومة اليمنية بشنّ حرب
 مفتوحة على جماعة الحوثيين الشيعية، واستخدمت فيها أكثر من 30 ألف جندي
يمني، واستخدمت أيضًا الطائرات والمدفعية، وأسفرت المواجهة عن مقتل زعيم
التنظيم حسين بدر الدين الحوثي، واعتقال المئات، ومصادرة عدد كبير من أسلحة
 الحوثيين.

تأزَّم الموقف تمامًا، وتولى قيادة الحوثيين بعد مقتل حسين الحوثي أبوه بدر
 الدين الحوثي، ووضح أن الجماعة الشيعية سلحت نفسها سرًّا قبل ذلك بشكل
جيد؛ حيث تمكنت من مواجهة الجيش اليمني على مدار عدة سنوات.

وقامت دولة قطر بوساطة بين الحوثيين والحكومة اليمنية في سنة 2008م، عقدت
بمقتضاها اتفاقية سلام انتقل على إثرها يحيى الحوثي وعبد الكريم الحوثي
-أشقاء حسين بدر الدين الحوثي- إلى قطر، مع تسليم أسلحتهم للحكومة اليمنية،
 ولكن ما لبثت هذه الاتفاقية أن انتُقضت، وعادت الحرب من جديد، بل وظهر أن
الحوثيين يتوسعون في السيطرة على محافظات مجاورة لصعدة، بل ويحاولون الوصول
 إلى ساحل البحر الأحمر للحصول على سيطرة بحريَّة لأحد الموانئ؛ يكفل لهم
تلقِّي المدد من خارج اليمن.

لقد صارت الدعوة الآن واضحة، والمواجهة صريحة، بل وصار الكلام الآن يهدِّد
القيادة في اليمن كلها، وليس مجرَّد الانفصال بجزء شيعي عن الدولة اليمنية.


أسباب قوة الحوثيين:

والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: كيف تمكّنت جماعة حديثة مثل هذه الجماعة
أن تواجه الحكومة طوال هذه الفترة، خاصَّة أنها تدعو إلى فكر شيعي اثني
عشري، وهو ليس فكرًا سائدًا في اليمن بشكل عام، مما يجعلنا نفترض أن أتباعه
 قلة؟!

لذلك تبريرات كثيرة تنير لنا الطريق في فهم القضية، لعل من أبرزها ما يلي:

أولاً: لا يمكن استيعاب أن جماعة قليلة في إحدى المحافظات اليمنية الصغيرة
يمكن أن تصمد هذه الفترة الطويلة دون مساعدة خارجية مستمرة، وعند تحليل
الوضع نجد أن الدولة الوحيدة التي تستفيد من ازدياد قوة التمرد الحوثي هي
دولة إيران، فهي دولة اثنا عشرية تجتهد بكل وسيلة لنشر مذهبها، وإذا
استطاعت أن تدفع حركة الحوثيين إلى السيطرة على الحكم في اليمن، فإنّ هذا
سيصبح نصرًا مجيدًا لها، خاصة أنها ستحاصر أحد أكبر المعاقل المناوئة لها
وهي السعودية، فتصبح السعودية محاصَرة من شمالها في العراق، ومن شرقها في
المنطقة الشرقية السعودية والكويت والبحرين، وكذلك من جنوبها في اليمن،
وهذا سيعطي إيران أوراق ضغط هائلة، سواء في علاقتها مع العالم الإسلامي
السُّني، أو في علاقتها مع أمريكا.

وليس هذا الفرض نظريًّا، إنما هو أمر واقعي له شواهد كثيرة، منها التحوُّل
العجيب لبدر الدين الحوثي من الفكر الزيديّ المعتدل إلى الفكر الاثني عشري
المنحرف، مع أن البيئة اليمنية لم تشهد مثل هذا الفكر الاثني عشري في كل
مراحل تاريخها، وقد احتضنته إيران بقوَّة، بل واستضافته في طهران عدة
سنوات، وقد وجد بدر الدين الحوثي فكرة "ولاية الفقيه" التي أتى بها
الخوميني حلاًّ مناسبًا للصعود إلى الحكم حتى لو لم يكن من نسل السيدة
فاطمة رضي الله عنها، وهو ما ليس موجودًا في الفكر الزيدي. كما أن إيران
دولة قوية تستطيع مدَّ يد العون السياسي والاقتصادي والعسكري للمتمردين،
وقد أكّد على مساعدة إيران للحوثيين تبنِّي وسائل الإعلام الإيرانية
الشيعية، والمتمثلة في قنواتهم الفضائية المتعددة مثل "العالم" و"الكوثر"
وغيرهما لقضية الحوثيين. كما أن الحوثيين أنفسهم طلبوا قبل ذلك وساطة
المرجع الشيعي العراقي الأعلى آية الله السيستاني، وهو اثنا عشري قد
يستغربه أهل اليمن، لكن هذا لتأكيد مذهبيَّة التمرد، هذا إضافةً إلى أن
الحكومة اليمنية أعلنت عن مصادرتها لأسلحة كثيرة خاصة بالحوثيين، وهي
إيرانية الصنع. وقد دأبت الحكومة اليمنية على التلميح دون التصريح بمساعدة
إيران للحوثيين، وأنكرت إيران بالطبع المساعدة، وهي لعبة سياسية مفهومة،
خاصة في ضوء عقيدة "التقية" الاثني عشرية، والتي تجيز لأصحاب المذهب الكذب
دون قيود.

ثانيًا: من العوامل أيضًا التي ساعدت على استمرار حركة الحوثيين في اليمن
التعاطف الجماهيري النسبي من أهالي المنطقة مع حركة التمرد، حتى وإن لم
يميلوا إلى فكرهم المنحرف، وذلك للظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة
جدًّا التي تعيشها المنطقة؛ فاليمن بشكل عام يعاني من ضعف شديد في بنيته
التحتية، وحالة فقر مزمن تشمل معظم سكانه، لكن يبدو أن هذه المناطق تعاني
أكثر من غيرها، وليس هناك اهتمام بها يوازي الاهتمام بالمدن اليمنية
الكبرى، ويؤكد هذا أن اتفاقية السلام التي توسَّطت لعقدها دولة قطر سنة
2008م بين الحكومة اليمنية والحوثيين، كانت تنص على أن الحكومة اليمنية
ستقوم بخطة لإعادة إعمار منطقة صعدة، وأن قطر ستموِّل مشاريع الإعمار، لكن
كل هذا توقف عند استمرار القتال، ولكن الشاهد من الموقف أن الشعوب التي
تعيش حالة التهميش والإهمال قد تقوم للاعتراض والتمرد حتى مع أناسٍ لا
يتفقون مع عقائدهم ولا مبادئهم.

ثالثًا: ساعد أيضًا على استمرار التمرد، الوضعُ القبلي الذي يهيمن على
اليمن؛ فاليمن عبارة عن عشائر وقبائل، وهناك توازنات مهمَّة بين القبائل
المختلفة، وتشير مصادر كثيرة أن المتمردين الحوثيين يتلقون دعمًا من قبائل
كثيرة معارضة للنظام الحاكم؛ لوجود ثارات بينهم وبين هذا النظام، بصرف
النظر عن الدين أو المذهب.

رابعًا: ومن العوامل المساعدة كذلك الطبيعة الجبلية لليمن، والتي تجعل
سيطرة الجيوش النظامية على الأوضاع أمرًا صعبًا؛ وذلك لتعذر حركة الجيوش،
ولكثرة الخبايا والكهوف، ولعدم وجود دراسات علمية توضح الطرق في داخل هذه
الجبال، ولا وجود الأدوات العلمية والأقمار الصناعية التي ترصد الحركة بشكل
 دقيق.

خامسًا: ساهم أيضًا في استمرار المشكلة انشغال الحكومة اليمنية في مسألة
المناداة بانفصال اليمن الجنوبي عن اليمن الشمالي، وخروج مظاهرات تنادي
بهذا الأمر، وظهور الرئيس اليمني الجنوبي الأسبق "علي سالم البيض" من مقره
في ألمانيا وهو ينادي بنفس الأمر. هذا الوضع لا شك أنه شتَّت الحكومة
اليمنية وجيشها ومخابراتها؛ مما أضعف قبضتها عن الحوثيين.

سادسًا: وهناك بعض التحليلات تفسِّر استمرار التمرد بأن الحكومة اليمنية
نفسها تريد للموضوع أن يستمر! والسبب في ذلك أنها تعتبر وجود هذا التمرد
ورقة ضغط قوية في يدها تحصِّل بها منافع دولية، وأهم هذه المنافع هي
التعاون الأمريكي فيما يسمَّى بالحرب ضد الإرهاب، حيث تشير أمريكا إلى وجود
 علاقة بين تنظيم القاعدة
وبين الحوثيين. وأنا أرى أن هذا احتمال بعيد جدًّا؛ لكون المنهج الذي يتبعه
 تنظيم القاعدة مخالف كُلِّية للمناهج الاثني عشرية، ومع ذلك فأمريكا تريد
أن تضع أنفها في كل بقاع العالم الإسلامي، وتتحجج بحججٍ مختلفة لتحقيق ما
تريد، واليمن تريد أن تستفيد من هذه العلاقة في دعمها سياسيًّا
واقتصاديًّا، أو على الأقل التغاضي عن فتح ملفات حقوق الإنسان
والدكتاتورية، وغير ذلك من ملفات يسعى الغرب إلى فتحها.

وإضافةً إلى استفادة اليمن من علاقتها بأمريكا، فإنها ستستفيد كذلك من
علاقتها بالسعودية، حيث تسعى السعودية إلى دعم اليمن سياسيًّا وعسكريًّا
واقتصاديًّا لمقاومة المشروع الشيعي للحوثيين، واستمرار المشكلة سيوفِّر
دعمًا مطَّردًا لليمن، ولعل الدعم لا يتوقف على السعودية، بل يمتد إلى قطر
والإمارات وغيرها.

وبصرف النظر عن الأسباب فالمشكلة ما زالت قائمة، والوضع فيما أراه خطير،
ووجب على اليمن أن تقف وقفة جادة مع الحدث، ووجب عليها كذلك أن تنشر الفكر
الإسلامي الصحيح؛ ليواجه هذه الأفكار المنحرفة، وأن تهتم اهتمامًا كبيرًا
بأهالي هذه المناطق حتى تضمن ولاءهم بشكل طبيعي لليمن وحكومتها. ويجب على
العالم الإسلامي أن يقف مع اليمن في هذه الأزمة، وإلاّ أحاط المشروع الشيعي
 بالعالم الإسلامي من كل أطرافه، والأهم من ذلك أن يُعيد شعب اليمن حساباته
 وينظر إلى مصلحة اليمن، وأن هذه المصلحة تقتضي الوحدة، وتقتضي الفكر
السليم، وتقتضي التجمُّع على كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم،
وعندها سنخرج من أزماتنا، ونبصر حلول مشاكلنا.

ونسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين


المصدر: قصة الإسلام.


رابط المادة: http://iswy.co/e4a4k

ناقصات عقل ودين

منذ نعومة أظافري وأنا أجد تكريم المرأة في كل تفاصيل هذا الدين العظيم , أقبل على مضامينه بعقلي وروحي فلا أجد ثمة أية إهانة بل كلما نهلت من معينه ازددت قوة إلى قوتي وشعرت بتوافق نفسي واجتماعي منقطع النظير , أحس أن هذا الدين يضطرني إلى حيث تكتمل شخصيتي كأنثى .. هكذا أشعر وهكذا أحس حتى انتبهت إلى كلام يقوض هذه المعاني ويرمي بكل سطحية هذا الدين بهضم حق المرأة و إبعادها عن إنسانيتها .
” المرأة ناقصة عقل ودين ” يأخذها المغرض يلوح بها في كل ناد أن اعلموا أن هذا الدين قد ظلم المرأة وسلبها بشريتها ..
أيعقل أن يكون الملاذ الذي لطالما اطمأننت إليه كلما ضاقت بي الحياة مصدر إهانة لي ؟ !
أيعقل أن يكون الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يقول عني “استوصوا بالنساء خيراً ” هو من يحط من قدري ؟ !
فهل نقصان العقل والدين الذي ورد على لسان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هو المعنى السطحي الذي يسوقه المغرض والجاهل بدينه ؟
أزعم أن الجواب عن هذا يتطلب تجردا من السذاجة وخضوعا لقواعد البحث السليم لذلك سينتظم كلامي في ثلاث نقاط :
النقطة الأولـى – صحة الحديث :
الخوض في صحة الحديث وضعفه يتطلب التطرق إلى المغالطات المنهجية لدى الطاعنين فيه والكلام فيها سيطول بحيث يبعدنا عن القضية المحورية لهذا المقال وهي : هل المرأة فعلا ناقصة عقل ودين بمعنى السفه ؟
روي هذا الحديث من أكثر من طريق وهو صحيح متنا وسندا لا خلاف في ذلك وأشهر طرقه هي :
الطريق الأول : رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : ” خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا،أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» ” .
ورواه الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ: وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ،وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: ” أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ: فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ.”
وأما الطعون التي وجهت نحو الحديث من حيث الإسناد فلا يلتفت إليها إذ هي مجرد توهمات ذهنية تقعد عن مجابهة حكم أهل التخصص الذين قضوا بصحة الحديث .
ومما يدل على تهافت طعونهم أنهم قد تذرعوا إلى تضعيف الحديث بتردد الصحابي أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حيث قال : ” في أضحى أو فطر ” ، والصحيح أن الحديث قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في مناسبة عيد ، وهذا ما نقل عنه في جميع الروايات وبهذا لا يمكننا أن نطعن في صحة الحديث لمجرد أنه لم يحدد أهو عيد الأضحى أم عيد الفطر ؟ وقد قال الصحابي ذلك خوفا من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم , ويتلاشى هذا التوهم إذا أدركنا أن الحديث لم يتفرد بروايته أبو سعيد الخدري رضي الله عنه بل رواه غيره من الصحابة .
النقطة الثانية – معنى نقصان العقل :
أزعم أن مشكلة الطاعنين في الإسلام هي القراءة الاختزالية لبعض مضامينه , وهذه القراءة قد ألقت بظلالها على هذه القضية إذ أنهم فهموا الحديث بعيدا عن سياقه ودون نظر للقرائن التي تأخذك إلى تعقل معناه .
كيف إذن يمكننا قراءة الحديث ؟
يجب أن يعلم أن شرح هذا الحديث وسبب قوله لا ينفك عن ذكر آية الدّين (الاستشهاد) وهذا الكلام ليس مجرد تخرص بل هو تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جاء في الحديث : ” أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ: فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ ” أي أن نقصان العقل عند المرأة إنما يتعلق بأمر الاستشهاد عند الدّين ، قال الله عزوجل : { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ } |سورة البقرة-282| ، فليس المراد إذن سفه المرأة و لذلك لما أشكل هذا الأمر على الصحابيات لم يترددن في الاستفسار , فلما أعرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنىنقصان العقل انتفى الإشكال لديهن , إذ أن نقصان العقل باعتبار نقصان شهادتها في مجال البيوع ليس بمشكل لديهن فالمرأة لم تكن تتعاطى التجارة مثل تعاطي الرجل بحيث يمكنها استحضار تفاصيل العقود والانتباه إلى دقائقها كما يفعل الرجل . فالمعلوم أن المرء لا يضبط الأمور التي لا يهتم بهاأو لا يشتغل بها ، فالمعاملات المالية والمعاوضات وغيرها ليست من شأن المرأة عادة ، فيصعب عليها حفظها وضبطها ، ليس كغيرها من الأعمال المنزلية مثلا أو كل ما يخص المرأة فإنك تجدها أقوى ذاكرة من الرجل ، وهذا طبع يشملهما معاّ ذكراناً وإناثا .
فالنقص إذن ليس في القدرات الفكرية كما يدعى البعض ، بل هو نقص في الضبط فقط لأجل عدم الاهتمام إذ المعلوم أن الاستحضار الذهني لابد فيه من الانتباه , لذلك لو كان الرجل غير مهتم بأمر البيوع والتجارة فسيكون ضبطه لتفاصيل العقود ضعيفا وهذا أمر طبيعي ، ثم إن الآية جاءت مخاطبة صاحب الدّين لبيان حكم توثيقه لعقد من العقود المالية ليحافظ على دينه ،أي أنها ليست عن ( الشهـادة) التي يعتمد عليها القاضي في حكمه بين المتنازعين ، ومن هنا فإن هذا الحكم لا يضع معيارا عاماً لشهادة المرأة ،فالشهادة لها معايير أخرى يطمئن لها القاضي تحقق صدق الشهادة وهي ثلاث أوصاف معتبرة عند الفقهاء : العدالة ، نفي التهمة أي ألا يكون بينه وبين المشهود عليه أي خصومة ، التيقظ أي أن يكون ضابطا لما شهد به ،وهذه الأوصاف لا تفرق بين ذكر ولا أنثى .
ولمزيد بيان فإن مجمل الشهادات تتساوى فيها شهادة المرأة مع الرجل ، بل وتتساوى معه في شهادات لا دخل لها بالعاطفة التي تعرف بها المرأة غالباأو قلة الخبرة بل الذي يهم فيها هو الذكاء والحفظ ، ومثال ذلك المسائل الدينية ، حيث تقبل رواية المرأة للحديث كالرجل تماما ، وكذلك غيره من العلوم . بل وتقبل شهادة المرأة منفردة ، وذلك في المسائل التي لا تجوز فيها إلاّ شهادة النساء ، كالولادة و الرضاعة وعيوب النساء وغيره .
ثم
ثم نعود ونقول أن قوله صلى الله عليه وسلم ليس فيه احتقار للمرأة بل هوتعجب من قدرتها في التغلب على الرجل الذكي جدا وإشارة إلى قوة تأثيرها .
النقطة الثالثة – معنى نقصان الدين :
أما نقصان الدين فقد بينه عليه الصلاة والسلام في قوله: ” أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» ” فنقصان الدين من نقصان العبادة ، حيث أن لفظ الدين قد يطلق على العبادات كالصوم والصلاة وغيرها … ، وليس القصد كما يفهمه البعض نقصان الدين بالكلية ، بل هو كما شرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يتعلق بصومها وصلاتها حال الحيض ، وهذا لا تعاب به المرأة أو تأثم عليه ،بل هي مكلفة بذلك كما ذكر العلماء ( انظر شرح النووي على مسلم 2/255رقم : 238 ) فليس المقصود إذن المعنى المشاع بين الناس بل هو تشريع من الله عزوجل تخفيفا ورفقا بها ، فمن رحمته سبحانه أن كلفها بعدم الصلاة حال الحيض لأن الطهارة شرط في الصلاة وهي غير طاهرة ، وكلفها بعدم القضاء لأن في قضاءها مشقة عليها ، فالصلاة تكرر في اليوم خمس مراتوالحيض قد تطول مدته ، فأسقط عنها سبحانه الصلاة أداء وقضاء .
وكما ذكرنا فهذا النقص لا يعتبر عيبا في المرأة ، فمن النساء الصالحات من فاقت الرجال في أشياء كثيرة ، كما قال أحد العلماء رحمه الله : ” وقد تكثر منها الأعمال الصالحات فتربو على كثير من الرجال في عملها الصالح وفي تقواها لله عز وجل وفي منزلتها في الآخرة ”
ولنا في التاريخ الإسلامي ما يثبت ذلك ، من نساء عالمات فقيهات صالحات معروفات برجاحة العقل و التفقه في الدين كأمنا عائشة رضي الله عنها ،فهي كانت أفقه نساء عصرها ، ولو كان الحديث يراد به سلب الأهلية العقلية عن المرأة لوجدنا أثر هذا المعنى على التصور الإسلامي بحيث تغيب المرأة مطلقا عن ميادين الفكر والمعرفة وهو الأمر الذي نجد عكسه في كتب التراث الإسلامي ، فلا يخفى على ناظر في تراجم العلماء ذكر تتلمذ أساطين الفقه والحديث على نساء عالمات فاضلات.
ونخلص إلى أن الإسلام كرّم المرأة وجعلها كالرجل في الإنسانية ، قال تعالى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } ، وفي التشريع ، قال سبحانه وتعالى : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا } وقال أيضا : { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } ،وهذا كما قدّره الله تعالى انطلاقا من مبدأ العدل ، وليس مبدأ المساواة ،فكما قال الدكتور سعد العتيبي في مقالاته في التقعيد لمكانة المرأة في الإسلام : ” المساواة في غير مكانها ظلم يرفع ، وليس مزية تطلب ” ،والإسلام لا يهين المرأة ولا يحتقرها بل رفع مكانتها وأعلاها ، وهذا ما يفهم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد نبه النساء وأرشدهن إلى ما فيه خير لهن ، وقد فهمن قصده وتدافعن بالصدقات ذلك اليوم ، لحرصهن على الثواب و حسن فهمهن لحديثه صلى الله عليه وسلم . فيالعظمة التشريع الإسلامي وسبحان الذي خلق الذكر والأنثى و جعل لكل واحد منهما ما يصلح لهما .
{ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير }

مريم أسياخ